مجمع البحوث الاسلامية
81
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وابن السّبيل ، فجملة ( ولا تبذّر ) عطف على ( ات ) ، وهي بمنزلة الاستثناء منه ، مثل : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الأنعام : 152 ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ الأنعام : 151 ، ونحوهما . وقد حاول الزّمخشريّ التوّفيق بين القولين ، أي كون التّبذير في غير الحقّ أو في المعصية ، فقال : « التّبذير » : تفريق المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف » ، وجملة إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ في الآية الثّانية تعليل . ثامنا : قرن اللّه تعالى إيتاء الحقّ في الآية الأولى بالنّهي عن التّبذير ، كما قرن إيتاء الصّدقة بالنّهي عن الإسراف ، في قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا الأنعام : 141 ، وهذا يعني أنّ التّبذير والإسراف سيّان ، وبه جاء الحديث عن الإمام الصّادق عليه السّلام ؛ حيث قال : « إنّ التّبذير من الإسراف » ، وفيه إشعار بأنّ الإسراف أعمّ من التّبذير ، كما سيأتي . تاسعا : وقد افترق التّبذير عن الإسراف في القرآن من وجوه : 1 - أنّ « التّبذير » فعلا ومصدرا وصفة جاء - كما سبق - ثلاث مرّات في آيتين من سورّة مكّيّة ، والحال أنّ « الإسراف » بصيغة العشر فعلا ومصدرا وصفة جاء ( 26 ) مرّة في ( 16 ) سورة مكّيّة ، و ( 3 ) سور مدنيّة ، فالتّأكيد عليه أشدّ وأدوم ؛ حيث كان قبل الهجرة ، واستمرّ بعدها . 2 - أنّ التّبذير في سياق الآيتين خاصّ بالإنفاق على ذوي الحاجة ، كالمسكين وابن السّبيل وذي القربى ، وليس فيه تصريح بشموله لغير الإنفاق ، والحال أنّ الإسراف بصريح الآيات يشمل الإنفاق والعقيدة والمعصية والأكل والشّرب والقتل وأكل المال والظّلم . وفيه ما يعمّ غير ذلك ، مثل : وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الشّعراء : 151 . 3 - كما أنّ ظاهر القرآن يخصّ التّبذير بالإفراط والزّيادة على ما ينبغي دون التّفريط والنّقص ، أمّا الإسراف فهو الإفراط بصريح القرآن ؛ حيث جعله مقابلا للتّقتير ، في قوله : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا الفرقان : 67 . 4 - أمّا من ناحية الجذر ، فقد علمت أنّ أصل التّبذير هو البذر ، حسب ما اخترناه ، وأصل الإسراف السّرفة ، وهي دودة تنسج على بعض الشّجر ، وتأكل ورقه ، وتهلك ما بقي منه بذلك النّسج ، ثمّ أطلق السّرف والإسراف على كلّ عمل جاوز القصد ، لاحظ « س ر ف » .